انتقل إلى المحتوى الرئيسي

الدرس 1 — المشكلة التي يحلّها الذكاء الاصطناعي

قبل السؤال عن ماهية الذكاء الاصطناعي، من المفيد أن نرى المشكلة التي اختُرع من أجلها. تُصاغ هذه المشكلة ببساطة، وتقاوم الحلول بعناد مدهش: بعض المهامّ يستحيل وصفها في صورة قائمة تعليمات، مع أنّ طفلاً في الخامسة ينجزها بلا جهد.

التجربة التي تُظهر الحائط

خُذ مهمّة يعتبرها الجميع تافهة: تحديد ما إذا كانت الصورة تحتوي على قطّ.

أنت مبرمج. اكتب القواعد.

ستبدأ ربّما بـ «للقطّ أذنان مدبّبتان». ثم يرسل أحدهم صورة قطّ من الخلف بأذنين مطويتين. تضيف «للقطّ شوارب» — فتصلك صورة مقرّبة لمخلب. تضيف «القطّ كثيف الشعر» — فتقع على قطّ من نوع Sphynx، وهو أجرد تماماً. تضيف قواعد للّون، فيُرسل إليك قطّ أسود مصوَّر ليلاً، حيث يذوب الحيوان بأكمله في ثلاث درجات من الرمادي الغامق لا يكاد يُفرَّق بينها.

بعد ألفَي قاعدة، ما زلت تفشل في صور يفرزها طفل في لحظة. وكلّ قاعدة جديدة تضيفها لتصحيح حالة واحدة تُفسد بهدوء ثلاث حالات أخرى.

الدرس الحقيقي

المشكلة ليست أنّك مبرمج سيّئ. المشكلة أنّك لا تعرف القواعد التي تستخدمها أنت نفسك. أنت تتعرّف على القطّ دون أن تقدر على تفسير السبب. والمعرفة التي لا نستطيع التعبير عنها لا يمكن تحويلها إلى كود.

هذا هو الحائط. ويُسمّى مفارقة بولاني، على اسم الفيلسوف الذي صاغها بلا مواربة: نحن نعرف أكثر ممّا نستطيع قوله.

العصران السابقان

قواعد يكتبها الخبراء (من الستينيات إلى التسعينيات)

كان الجواب الجدّي الأول هو النظام الخبير. والفكرة كانت معقولة: إذا كانت الآلة لا تقدر على اكتشاف القواعد، فليُلقِها عليها خبير بشري. يصوغ طبيب مئات القواعد من نوع «إذا ظهر على المريض هذا العَرَض مع هذه النتيجة المخبرية، فلنفكّر في هذا التشخيص»، ثمّ يتولّى محرّك استنتاج ترتيبها.

ونجح ذلك، في حدود معيّنة. نظام MYCIN، الذي بُني في ستانفورد في السبعينيات، كان يشخّص التهابات الدم بجودة تقارب طبيباً شابّاً. لكن ثلاثة عيوب ظهرت وكانت قاتلة:

  • استخراج القواعد كان عذاباً. أشهر من مقابلة الخبراء تنتج بضع مئات من القواعد، حيث يتطلّب الواقع عشرات الآلاف.
  • القواعد تتناقض. بعد حجم معيّن، لم يعد أحد قادراً على القول إن كانت إضافة قاعدة تُحسّن النظام أو تُفسده.
  • لا شيء يُعمَّم. نظام بُني لالتهابات الدم لا يصلح لأمراض الرئة. كان كلّ شيء يبدأ من الصفر.

انهار التمويل مرّتين، في فترتين نسمّيهما اليوم شتاءَي الذكاء الاصطناعي. وفي منتصف التسعينيات، كانت عبارة «الذكاء الاصطناعي» تكاد تُتجنَّب في طلبات التمويل.

التعلّم من الأمثلة (من التسعينيات)

المقاربة الأخرى كانت موجودة منذ الخمسينيات، وطويلاً حُكم عليها بأنّها مخيّبة: الكفّ عن كتابة القواعد، وترك الآلة تستنتجها من الأمثلة.

فبدل وصف القطّ، تعرض على الآلة مئة ألف صورة موسومة بـ «قطّ» أو «ليس قطّاً»، وتتركها تحدّد بنفسها الانتظامات البصرية التي تفصل بين الكومتين. لا أحد يكتب يوماً «أذنان مدبّبتان». الآلة تكتشف وحدها أنّ تشكيلات معيّنة من الأشكال والملامس تتنبّأ جيّداً بالوسم.

هذا هو تعلّم الآلة، وهو يقلب العلاقة بين المبرمج والبرنامج:

البرمجة التقليديةتعلّم الآلة
ما يقدّمه الإنسانالقواعدأمثلة وأجوبتها
ما تنتجه الآلةالأجوبةالقواعد
لتحسين النتيجةإعادة كتابة الكودبيانات أكثر وأفضل
موضع الصعوبةالتعبير عن المنطقجمع البيانات وتنظيفها

لماذا لم ينطلق هذا إلا نحو 2012

كانت الرياضيات التي تقوم عليها الشبكات العصبية مستقرّة إلى حدّ كبير في نهاية الثمانينيات. فلماذا لم ينتبه العالم إلا نحو 2012؟ لأنّ الطريقة لا تنفع قبل أن تتوفّر ثلاثة مكوّنات معاً، وقد وصلت متأخّرة.

البيانات. النموذج يتعلّم من الأمثلة، وهو يحتاج إلى عدد هائل منها. قبل الويب، لم تكن هناك وسيلة لجمع مليون صورة موسومة. مجموعة ImageNet، المنشورة في 2009، قدّمت أربعة عشر مليون صورة موصوفة — أوّل كومة كبيرة بما يكفي لتُحدث فرقاً.

القدرة الحسابية. تدريب شبكة يعني إجراء مليارات من عمليات الضرب الصغيرة. والمعالجات المصمَّمة لألعاب الفيديو، أي المعالجات الرسومية (GPU)، تفعل هذا بالضبط: آلاف العمليات على التوازي. وتحويلها إلى تعلّم الآلة نقل زمن التدريب من أشهر إلى أيّام.

نتيجة قابلة للتحقّق. في 2012، شاركت شبكة تُسمّى AlexNet في مسابقة ImageNet فأنزلت نسبة الخطأ من 26 % إلى 16 % في سنة واحدة، في مجال كان التقدّم فيه يُقاس بأجزاء من النقطة المئوية. كان الفارق أكبر من أن يُتجاهَل. وفي ثلاث سنوات، انتقل كلّ المنافسين الجدّيين إلى التعلّم العميق.

للتذكّر

الذكاء الاصطناعي الحديث ليس فكرة جديدة. هو فكرة قديمة توفّر لها أخيراً ما يكفي من البيانات وما يكفي من القدرة الحسابية لتعمل. وهذا مهمّ عند تقييم أيّ وعد: مقاربة تتطلّب بيانات لا تملكها لن تنجح عندك، مهما كان العرض التوضيحي مبهراً.

ما يعنيه ذلك لك عملياً

الانتقال من «كتابة القواعد» إلى «تقديم الأمثلة» يُزيح الصعوبة ولا يُلغيها. في مشروع حقيقي، تصبح الأجزاء الصعبة هي:

  • هل أملك البيانات؟ لا بمعنى «هل توجد بيانات في العالم»، بل «هل أملك داخلياً، وبشكل مشروع قانونياً، ما يكفي من الأمثلة الموسومة».
  • هل بياناتي ممثِّلة؟ نموذج دُرِّب على صور نهارية فقط سيفشل ليلاً. ولن ينبّهك؛ سيخطئ فحسب.
  • هل أتحمّل الخطأ أحياناً؟ النموذج يعطي احتمالاً، لا ضماناً. بعض الاستخدامات تقبل ذلك، وبعضها لا.

هذه الأسئلة الثلاثة تحدّد مصير معظم المشاريع، قبل أن يختار أحد أيّ خوارزمية. والدرس الرابع يشرح السبب.


في ثلاث جمل

بعض المهامّ لا يمكن كتابتها في صورة قواعد لأنّنا عاجزون عن صياغة القواعد التي نستخدمها نحن أنفسنا. تعلّم الآلة يتجاوز هذه العقبة باستنتاج القواعد من أمثلة موسومة، فينقل الجهد من الكود إلى البيانات. ولم تصبح هذه المقاربة قابلة للاستخدام إلا نحو 2012، حين وصلت مجموعات البيانات الضخمة والمعالجات الرسومية في الوقت نفسه.


التاليالدرس 2: ما هو الذكاء الاصطناعي بالضبط؟ ←